علي بن أحمد الحرالي المراكشي

136

تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي

ملكا ، إلى أن تضع الحرب أوزارها ، وتصير الملل كلها ملة واحدة ، ويرجع الافتراق إلى ألفة التوحيد . فكل من اقتطع واقتصر من هذه الشريعة المحمدية الجامعة للظاهر والباطن حظا مختصا من ظاهر أو باطن ، ولم يجمع بينهما في عمله وحاله وعرفانه ، فهو ، بما لزم الظاهر الشرعي ، دون حقيقة باطنه ، من يهود هذه الأمة ، كالمقيمين لظاهر الأحوال الظاهرة ، التي بها تستمر الدنيا على حسب ما يرضي ملوك الوقت وسلاطينهم ، المضيعين لأعمال السرائر ، المنكرين لأحوال أهل الحقائق ، الشاهد عليهم تعلق خوفهم ورجائهم بأهل الدنيا ، المؤثرين لعرض هذا الأدنى . فبهذا ظهرت أحوال اليهود في هذه الأمة ، مر الأعراب مع النبي ، - صلى الله عليه وسلم - ، بسدرة خضراء نضرة ، وكان لأهل الجاهلية سدرة يعظمونها ، ويجتمعون عندها ، وينيطون بها أسلحتهم ، ويسمونها : " ذات أنواط " فقالوا يا رسول الله ، اجعل لنا هذه السدرة ذات أنواط ، كما لهم ذات أنواط ، فقال ، - صلى الله عليه وسلم - : " قلتموها ورب الكعبة " . " اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة " . إنها السنن ، فبحيث ظهرت أحداث اليهود من البغي والحسد ، وتعظيم ما ظهر تعظيمه ، من حيث الدنيا واستحقار ضعفاء المؤمنين ، فهنالك أعلام اليهودية . وكذلك أيضا من اقتصر ، من هذه الشريعة الجامعة المحمدية ، على باطن : من إصلاح حال أو قلب ، مع تضييع ظاهر الأمر ، ومجامع الخير ، وتعاضد الإسلام ، واكتفى بما استبطن وتهاون بما استظهر ، فهو من نصارى هذه الأمة ، ليس بصاحب فرقان ، فكيف أن يكون صاحب قرآن ، وذلك أن هذا الدين الجامع ، إنما يقوم بمعالم إسلام ظاهرة ، وشعائر إيمان في القلوب ، وأحوال نفس باطنة ، وحقائق إحسان شهودية ، لا يشهد المحسن مع الله سواه ، ولا يؤمن المؤمن مع الله بغيره ، ولا يخضع المسلم إلى شيء من دونه ، فبذلك يتم الدين .